السبت، أغسطس 2

داعش : مالم نعترف به حتى الآن

ان القلق  ليس في مشاهد القتل الوحشية التي يبثها افراد يدعون  انهم مؤسسو دولة اسلامية في العراق على منهج الخلافة ، فهذه الامور هي ديدن الفكر العصاباتي على كل حال ، ان مكمن الخطورة هو تزايد الحضور الاعلامي لهذه الطائفة لاسيما بعد ظهور اميرهم وخليفتهم وهو يقول : وليت عليكم ولست بخيركم!
ان من شأن هذا التطور ان يضفي مزيدا من الدعاية الاعلامية وبالتالي مزيدا من من مداعبة بذور التربة الخصبة في عقول آلاف الشباب المسلم المعتنق لفكر السلفية السنية ، وهو الفكر الذي تطلق منه جماعة البغدادي ويلتقي – بمفارقة - مع الفكر المنتشر في دول الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية حماها الله.
ثمة امور يجب علينا ان نعتصر الليمون في اعيننا ونعترف بها ، تتمثل في اجراء نقد لهذه المدرسة برمتها ، ليس فقط المدرسة السلفية ، لابل كل مدرستنا السنية وخطابنا الاسلامي .
لست في صدد القاء كلمة (تجديد الخطاب) دون تحديد كما جرت العادة ، بل سأزعم انني سوف احدد اين مكن الخلل الحقيقي الذي يؤدي الى نمو هذه الموبقات المدمرة والتي اعطتنا تصور تاريخي لكل حركات التفسير الخاص الخطرة للاسلام : من قرامطة ،اسماعيلية ، الخ .
ان اهل السنة اليوم هم  امتداد لمن كان يطلق عليهم قديما (العامة) ،وأهل الحديث فيما بعد، لانهم الاكثرية الجماهيرية التي ترى اسلام الفرد لايتأثر- بعد وفاة الرسول -  بولائه لامير او (حاكم) بمواصفات خاصة ، ذلك أن بامكان كل شخص ان يكون مسلما فوق اية ارض وتحت أي سماء ،وهذا بالطبع خلافا للشيعة والخوارج الذين لايثمنون ولايرون اكتمال ايمان المسلم طالما انه لايهتم بطبيعة من يحكمه!
كيف اذن تطور الفكر السني والاسلامي العمومي الى ان اصبح السنة طائفة مناظرة للخوارج والشيعة في رؤيتها للحاكم وصيرورته جزءاً اساسيا من ايمان الفرد ؟!
السبب في نظري هو ظهور طبقة علماء الدين ، وتطور الفقه ، ومن ثم تم ايجاد مايحول بين الفرد و تلقي الاسلام (عقيدة وتاريخا) مباشرة من مصادره المعتبرة .اذ اصبح للعلماء وحدهم حق تقديم الاسلام ، وقراءة المصادر واستخلاص دروسها وتقديمها للعامة !
ان كل شباب هذا الجيل –وعدة اجيال قبله- لم يتسن لهم قراءة القرآن بأنفسهم ، والاطلاع على التفاسير المعتبرة ، وتعدد الاقوال دون تدخل من عالم معاصر ينتمي لطبقة فكرية معينة، ولم يتسن لهم ايضا قرأءة تاريخهم  بشكل مباشر عبر الاطلاع مثلا على سيرة الرسول مباشرة واستنتاج الدروس والعبر والرؤى بعقليته المحضة ، دون تدخل او توجيه من احد اعلى منه، بصفته العالم المحتكر للاستنتاج والاستقراء والاستفادة!
ماذا لو قرأ الشاب المسلم (الذي قد يميل لداعش واخواتها) ان الرسول الكريم عقد صلح الحديبية مع الكفار ، والزموه بعدم كتابة انه رسول من الله فوافق ، والزموه برد المسلمين الجدد بعد الاتفاقية فوافق ، ثم ليترك الشاب القاريء لهذه الحدث التاريخي توجيه أي عالم له وقراءته لهذا الحدث ، ليقرأه بنفسه ويستخلص منه فكرة ومبدأ الاتفاقيات السياسية وحيثياتها وظروفها!
 والى شباب داعش اوجه الاسئلة التالية عن السيرة النبوية :
لماذ لم يرسل رسول الله  فدائيين لاغتيال اقانيم أهل مكة الكفار وحرق بيوتهم ؟ الجواب: لانهم اهله وعشيرته واخوانه ويطمع لهم بالخير عند الله .فأهدافه ابعد من تصفيات انتقامية حاقدة لاطائل منها مماثلة لما تفعله عصابة البغدادي!
وايضا :لماذا لم يقتل الرسول المنافقين الذين اوحى الله له بنفاقهم ؟ والجواب : ان الوحي ليس دليلا ماديا معتبرا عند المخالفين، ولذا سيبقى هولاء صحابته قانونياً، وقتلهم او طردهم سوف يؤثر سلبا صورة الرسول الكريم امام الناس وهو الداعي الى الله .
 هل يعي الشباب المعاصر  هذه المعاني العميقة في تاريخ الاسلام والسيرة النبوية؟! ام ان الطريقة التي قُدمت فيها السيرة النبوية في عصرنا جاءت بغير هذه المعاني ؟!
لننتقل الآن الى الخلافة في التاريخ الاسلامي:
ان عصر الخلافة الاسلامية بدأ منذ وفاة الرسول الكريم  وتتابع الاربع الراشدون ثم الأمويون والعباسيون ، ثم انتقلت الخلافة لاول مرة -ليس خارج قريش- بل خارج العرب عندما اخذها آل عثمان الاتراك سنة 1517م ، فهل قرأ بعض شبابنا السلفي مثلا في خضم هذا التاريخ: ان الصراع الذي دب بين علي ومعاوية رضي الله عنهما تطلب مهادنة الروم الكفار ؟! وهل قرأ الشباب المسلم ان المسلمين( شيعة وعامة ومعتزلة ) والنصارى واليهود عاشوا مع بعضهم في ظل الخلفاء الراشدين والامويين والعباسيين ، هل يعلمون مثلا (وهم يفجرون المراقد والقبور) ان المسجد الاموي بناه عبد الملك بعد اشترى نصف كاتدرائية تحتوي على مقبرة النبي يحيي ووالده زكريا عليهما السلام ؟ هل يعلمون ان احد اهم السلف المعتبرين اليوم وهو عمر بن عبد العزيز رحمه الله كان قد اعطى النصارى ثمنا اضافيا للكاتدرائية السابقة بعد زعموا ان الوليد بن عبد الملك ظلمهم في الشراء؟ ثم ليسألوا انفسهم مادمنا نتحدث عن المسجد الاموي : لماذا لم يهدم عمر بن عبد العزيز المسجد المحتوي على قبر بعد ان تمكن واصبح هو الحاكم ؟!
ولاني لاحظت ان الشباب الذين يميلون لداعش ، او المنتمين لها فعلا يمجدون شخصية مثل صلاح الدين : فهل قرأوا انه كان عميلا للرافضة-وفق تفسيرهم- عندما كان عمل –لسنوات- في خدمة العاضد آخر الحكام الفاطميين ، ولو حدث هذا في عصر داعش لسوف يُخطف ثم يؤمر بحفر قبره ويقتل شر قتله باعتباره من الصحوات المداهنة للرافضة!
 وهل قرأوا انه – والكلام لايزال عن صلاح الدين- استعاد القدس بعد تسوية تنازل بموجبها عن الساحل الفلسطيني بالكامل للصليبيين ؟! تماما كما استعاد السادات ( طاغوت وعميل بنظر اكثر الشباب) ارض سينا من اسرائيل بعد تسوية واتفاقية كامب ديفد! ، اقول هذا وانا في  كامل الاحترام للزعيم البطل صلاح الدين ولكن هذا مثال فقط لكيفية الاستقراء والاستنتاج ومن ثم الفهم الذي اراه مغيبا في زمننا هذا !

بات من المؤكد عندي ان التاريخ الاسلامي لايُدرس ولايُقدم بشكل موضوعي للاجيال المتأخرة ، بل بتوجيه عبر المناهج التعليمية التي تختار تعليب التاريخ –وحتى العقيدة- بطريقة تظهره بمظاهر الطهارة الكاملة ، وكمال الثمرة ، صانعةً بذلك فجوة بين الحكام المعاصرين وقدماء الحكام من المسلمين ، وتختار من الفقه او العقيدة مايناسب خطاب فئة بذاتها من النخب ( المدارس الفقهية) .
يجب ان يتاح للعامة قراءة تاريخهم موضوعياً ، ودراسة فقهم كذلك وكتبهم ، ليستنتجوا ان تاريخ امتنا العربية اعظم واشمل مما تتصوره عقلياتهم التي تربت على التعليب والتجهيز للافكار السهلة الاعتناق و الهضم والتنفيذ، يجب ان يعلموا ان كل الفرق المنتسبة للاسلام من : متصوفة ، واشاعرة ، واهل سنة ، وشيعة ، الخ انما اتت من رحم هذه الامة ، وتاريخها ، كذلك كل الدول والخلفاء الذي حكموا المسلمين بعد الرسول جرت عليهم السنن ذاتها ،والتي تجري حتما على ملوك الامم الاخرى وحكامها، وهي ذاتها  الظروف السياسية والاقتصادية التي تمر اليوم على الحكام المعاصرين ، ونسأل الله ان يحمي بلادنا المملكة العربية السعودية التي نعيش في ظلالها آمنين مطمئنين،ولراية الدين والانسان معلين ،لان لو زالت هذه الدولة –لاقدر الله- فسيبكيها دواعش لاحقين يبحثون عنها فلايجدوها ، تماما كما تباكينا على الدولة العثمانية رغم ان قسما كبيرا من امتنا العربية والاسلامية ساهم في ازالتها بحثا عن مستقبل أفضل ،ولنفس الشبهات التي يتم اثارتها اليوم على الدولة السعودية ، فلم نحصد الا الطين وضياع فلسطين!

ليست هناك تعليقات:

مواضيعي