الجمعة، أغسطس 2

الانقلاب في مصر : ليس في صالح الأمن الخليجي



لست من مناصري أي شعار سواء كان سياسيا او دينيا او اجتماعيا ، وكذلك لست من اصحاب الفكر المثالياتي عن هموم الامة العربية او الاسلام السياسي وشعاراته ، بل انني من مناصري السلام العادل والشامل وعلى طريقة المصطلحات التي يقر فيها العالم الغربي والعربي بخطابه الرسمي او المعتدل كما يسمونه، وكذلك انا من مناصري اقتصاد الرفاهية وقنوات الترفيه الاعلامي التي دعت اليها الكاتبة امل الهزاني في جريدة الشرق الاوسط.
في احداث مصر الاخيرة وقفت السعودية بوضوح بجانب الانقلابيين الذين اطاحوا  برئيس ينتمي الى جماعة ظلامية جاهلة ، وارهابية !!
حتى باقرارهم بأن ثمة انتخابات نزيهة اوصلت ذلك الرئيس الى القصر الا ان مخالفي هذا الرئيس المنتخب استطاعوا التمرير – بالقوة- ان هذه الانتخابات لم تكن لتأت به لولا التجارة بالدين !! ولولا طوابير الزيت والسكر والدقيق التي تم انفاقها على 13 مليون لم نكن نشاهد الزعيم الاخواني في قصر الحكم القاهري !

المهم ..ماعلينا !! يقولون في علم الجريمة ان هناك صاحب سوابق ، وصحيفة السوابق هي سجل ائتماني تعرفها وزارات الداخلية في كل انحاء العالم والهدف منها هي تقديم رؤية لاجهزة الامن عن نوعية الجرائم المنتشرة في مجتمع معين ، وكذلك المساعدة في التحقيقات الجنائية عند ارتكاب جرائم من النوع نفسه لصاحب السوابق عند حدوثها لاحقاً ، فهي قائمة على عدة مباديء في علم الجريمة من ابرزها ان المجرم الذي يرتكب جريمة في السابق  قد يميل الى ارتكاب الجريمة ذاتها مرة اخرى بدرجة احتمال اكبر بكثير من شخص لايحمل اية سوابق جنائية في تاريخه ، ولذا يجد اصحاب السوابق انفسهم في مشكل اجتماعي ومهني كبير حتى بعد ان يتلقوا  عقوبتهم ، ذلك أن المجتمع يميل الى الاخذ بالاعتبار مبدأ تاريخ الانسان في تقرير العلاقات معه!!!
في عالم السياسة صحيفة السوابق لاتغيب عن السياسي الحاذق ، والمقصود هنا ان العلاقات بين الدول والامم تاخذ بالاعتبار الجانب التاريخي لتقرر استراتيجيات الحاضر والمستقبل ، فمع الايمان التام ان المصالح الآنية عامل مهم الا أي عداء تاريخي بين دولتين ، او حزبين سياسيين على سبيل المثال سيبقى الجانبين المتخاصمين  – ان كان ثمة وعي سياسي- على حذر تام بينهم .
نعود الى مصر ، حيث يسود في وسط هذا البلد  الكبير آلاف المشاهد ، ومئات النظريات ، وآلاف الافكار التي تتبناها التيارات المختلفة ..ان مصر تنتمي الى مجموعة من الدول العربية التي كانو يسمونها الحداثية ، وهو تشكيل من الدول العربية افرزت بموجب تفاهمات مع سلطات الانتداب الاجنبي في بدايات القرن العشرين ، ثم حصولهم على الاستقلال بموجب القانون الدولي الذي صاغته الدول الغربية ، وكانت الدول الحداثية مصطلح يشمل كلا : العراق ، والاردن ، ومصر ، ثم انضمت : سورية ، وليبيا ، والجزائر الى هذه الجوقة ..كان ذلك كله يقابل الدول (الرجعية ) او ( البدوية) وان شئت ( المحافظة ) التي هي دول الخليج العربي واليمن بقيادة المملكة العربية السعودية!
هولاء ، وهولاء فريقين في الوطن العربي ، في الفترة التي تلت حقبة الاحتلال الاجنبي ، كل يتهم الآخر بأنه السبب في نكسة العرب وضياع فلسطين ، وكل يتهم الآخر بالعمالة للغرب المؤيد لاسرائيل ..
زمنيا : نستطيع ان نقول ان الصراع بدأ بين الفئتين بدا نهاية الاربعينات ، وظهر علنا بثورة 1953م في مصر التي قادها جمال عبد الناصر ومحمد نجيب.
ماعلينا ..السعودية التي كانت تقود دول الخليج ، وتجربتها الاسلامية السلفية المنتشرة في المنطقة كانت تنتشر ايضا في الدول (الحداثية التقدمية) ، فقد نشأ تنظيم اطلق على نفسه ( الاخوان المسلمون في مصر) سنة 1928م  متأثرا بفرقة الاخوان السعودية التي افرزت دولة عصرية ومع ذلك اسلامية !
محاصرة المد القومي العربي ذو الخلفية اليسارية ، والشيوعية ماكانت لتتم الا باستبدال الخلفية الحداثية بخلفية اسلامية ، وهذه كانت استراتيجية دول ( الرجعية) لدول ( الحداثة) !!
في النهاية اثبتت التنمية ومعدلاتها العالية في الدول الرجعية ، وكذلك نكسة 67م ان الدول الرجعية هي الاحق بلقب الحداثة والقوة ، ومع وفاة اقنوم الحداثيين اليساريين جمال عبد الناصر سنة 1970  بدأت ثمرات التجربة الاسلامية في العالم العربي بقيادة آل سعود ، اذ اتجهت مصر الى دولة العلم والايمان التي اعلنها انور السادات ، وبدأت الحقبة الحقبة السعودية والتجربة السعودية هي السائدة ، وهي التي ادت الى الانتصار المبدئي في حرب اكتوبر سنة 73م ، وبهذا سحب الرجعيين  العرب المسلمين اهم ورقة كان يدندن عليها القومجيين اليساريين !!
لكن اسرائيل استطاعت قلب الطاولة باتفاق منفصل مع السادات الذي عاد الى به تياره السابق التقدمي ، بحجة مصر المتحضرة أهم من دول الخليج الرجعية ، وكان ذلك درسا قاسياً لدول الخليج فهل استفادت منه !!؟
الدرس الذي كان على دول الخليج ان تتعلمه هو ان اكتفائها بتصديق تغيرات السلوك المرحلي(دون تفعيل صحيفة السوابق للسادات)  ، بل لبعض زعماء الدول العربية المدعيّة للتقدمية والتحرر من التبعية للغرب وهم غارقون حتى الثمالة بأفكار لينين وماركس و حتى نظريات آدم سميث والعلمنة اليمينية، كان على السعودية وبدلا من تقتنع بكل بساطة ان السادات قد تغير، ان تساعد الاسلاميين الذين يعتبرون المملكة هي خلفيتهم وقبلتهم  في كنس رموز عبد الناصر تماماً (بما فيهم السادات نفسه) واقصائهم من المشهد السياسي، ولاسيما ان لاشعبية لهم في مصر بعد أن اثبت الخطاب المحافظ او الاسلامي  تفوقه الكاسح في الشارع المصري ، وتفوق الدول الراعية والداعمة له ، وبدلا من ذلك وضعت السعودية ثقتها التامة في تغير السلوك الظاهري للسادات وبقاء الرموز ذاتها التي كانت تصفق لعبد الناصر عندما كان يصف الملك فيصل باقذع واشنع الأوصاف التي لاتليق حتى برجل الشارع !
ثمة مثال آخر على اخطاء دول الخليج القاتلة في خضم الملعب العربي للسياسة ، ففي عام 1973م وبعد قرار الملك فيصل بقطع النفط عن الغرب ، ودعم مصر الاسلامية ( العلم والايمان الساداتية) يصرح الرفيق صدام حسين لاحدى الصحف الاوروبية : أن آل سعود رجعيون وانهم مجرمون بقطع النفط عن اوروبا لان لاذنب لمجموعة ( اليورو)  في دعم اسرائيل !!
كان هذا وصدام لايزال مجرد رفيق في الحزب الحاكم .
لكن واذ يصل يصل صدام الى الحكم سنة 1978م  ، لم تنتبه دول الخليج الى خطور وصول الفتى الناصري للسلطة ، معتقدين ان زمن الصراع بين (الدول الرجعية ) و(التقدمية) قد انتهى ، لكنها السوابق التي لم يسجلوها ويعملو على ضوئها!!!

خاض صدام حرباً ضروساً مع ايران ،كان الهدف منها استصناع نفسه كعبد الناصر الجديد زعيم الامة العربية ، ودول الخليج صفقت وهللت دو انتباه الى ان حقبة الفريقين (الرجعي والتقدمي) التي كانت تضع صدام في الطرف الاخير هي في طور النشوء مجددا .. وقد حدث !!
لقد  كانت مصلحة امريكا واسرائيل في دعم صدام في حربه على ايران مبررة وواضحة وجليّة ، وقد ادت ثمارها بالنسبة لهم في اضعاف الثور الايراني لصالح امن اسرائيل ، لكن في المقابل مصلحة دول الخليج لم تكن في اتجاه تقوية صدام وكان عليهم الانتباه الى الموازنة بين المصلحتين بقدر الامكان للتخلص من الاحراج الامريكي  وايضا على فرض تصديق خرافة الخطر الايراني على الخليج.

طيب وبعد نهاية الحرب وهزيمة ايران : لماذا تفاجات دول الخليج من عودة الدول التقدمية الى التحالف ضدها سنة 1990؟
السبب ببساطة انهم تجاهلوا صحيفة السوابق السوداء لصدام حسين، تماما مثلما تجاهلوا سوابق السادات قبل ذلك !
مجددا في العام 1990م تشكل مجلس التعاون العربي من الدول التالية : العراق ، الاردن ، مصر ، اليمن ، السودان وهدفه محو دول الخليج من الخارطة...لقد عاد الخطاب الناصري مجددا بزعامة صدام حسين !
مجلس التعاون العربي : قلب الطاولة على دول الخليج والغريب انه كان مفاجئاً لهم !!
 وتطورت الاحداث بمحاولة صدام البدء فورا بمشروع ( الحداثة) والقضاء على الرجعية ، بغزو الكويت لتدخل المنطقة كلها في منعطف ومأزق تاريخي كبير لم ينته حتى اليوم ، ولم تكن لتدخل اليه لو انتبهت دول الخليج مبكرا لهولاء وصحيفة سوابقهم وموقفهم الراسخ من الخليج خاصة السعودية ، هذا الموقف لن تغيره بعض سلوكيات المناورة لحكام الاردن ، او اليمن ، ومصر ، وليت الدول الخليجية قد حاولت مساعدة شعوب هذه الدول في التخلص منهم ووصول تيارات منسجمة مع الخليج واهله : دينا ، وثقافة ، وتقاليدا رجعية !! أي التيارات الاسلامية التي كانت تُشيطن اعلاميا وسياسياً ويرمى افرادها بالسجون!!
واليوم تكرر دول الخليج اخطائها مرة اخرى ، بدعم الانقلاب الاخير الذي تم في مصر، وعلى يد جيش ناصر والسادات  ، ومساعدة الاحزاب اليسارية والمدعية للبرلة والعلمنة التي ترى في الخليج رجعية وتخلف ووهابية ، ونسيت دول الخليج احداث التسعينات ،لقد عادت الدول الخليجية تدعم الاردن ، واليمن ، ومصر الذين تحكمهم النخب الفكرية ذاتها في الستينيات والسبعينيات وحتى اليوم،  والتي هي متعطشة  للمال الخليجي ومقيده بالضغط الامريكي، قريبا ستنقلب على الخليج ان تفوقت او خف القيد الامريكي عليها وان غدا لناظره قريب !!



ليست هناك تعليقات:

مواضيعي