الأحد، أبريل 22

الاعلام السعودي ومحاوره : فشل النجاح ونجاح الفشل!


الاعلام السعودي ومحاوره : فشل النجاح ونجاح الفشل!

في ظل الاحراجات المتتالية للاعلام التقليدي من الانفجار المعلوماتي الذي سمح بتداول المعلومات بسرعة الضوء، بات الكثير من اصحاب الفكر وصناع القرار في حيرة من امرهم ، الا انهم لازالوا يمتلكون صفة المبادرة والسيطرة ، لابسبب الامكانيات فحسب ، بل عبر علاقاتهم بقوة النخب المثقفة وصانعة القرار على صياغة الافكار والانماط ونشرها بين الناس .

الفرد الذي اصبح يمتلك نفس الامكانات تقريبا، قد لايمتلك القدرة الفكرية الذاتية التي اصبحت هي المحك في المواجهة ، تلك التي تقتصر على القدرة في التأثير على الرأي العام وتصدير الافكار والاتجاهات !

ان الفرد الذي يستطيع انتاج ملف فيديو، او صوت ، او كتابة مقال ونشره ، في غياهب الانترت قد يغيب عنه الهدف ، والتوجه المحدد سلفاً ، بينما الامر يختلف ان كان هذا الفرد متبنياً لفكر معين يريد تصديره ، أو دولة ، او حتى مؤسسة تجارية ذات اهداف استراتيجية .

ان الاعلام السعودي الموجه من قبل الدولة قد واجه – كغيره- معضلة الانفجار المعرفي والاعلامي ، وعلى عدة محاور داخلية وخارجية ، حتى قبل إفرازات مايسمى الربيع العربي ، بيد ان هذه المحاور التي ضرب الاعلام السعودي اوتارها ليست الا قصور شديد في التعاطي مع مختلف مايظهر على الساحة ، حتى  ان المتابع يصاب بالدهشة من كل هذه الامكانات التي تملكها الدولة ،فيتمخض الجبل فيلد فأرا !

ثمة بضعة محاور يجري عليها اعلامنا في التعاطي مع الناس للتأثير عليهم :

المحور  الاول: الثناء المباشر على القيادة ، سواء ضمن الاخبار والتقارير ، او الانتاج الفكري للكتاب وتحليلاتهم ، وهذا لاغبار عليه ان كان ضمن التقارير ولايتجاوز كلمات مثل ( حفظه الله ) وامثالها  ، الا انه يعاب عليه المبالغة في التمجيد لدرجة الوصول الى النتائج العكسية !

المحور الثاني :جلد المجتمع والشعب ، واظهار ان العيب فيه مع طهارة  شبه كاملة للنخبة القائدة وصانعة القرار ، وهذا اخطر المحاور حقيقة ، واتمنى من اعلامنا ان يتجنبه ، يظهر هذا المحور في عدة نقاط من ابرزها : التركيز ووضع المجهر الاعلامي على قضايا تحدث في كل زاوية من العالم مثل : العنف المنزلي ضد النساء والأطفال، التحرش الجنسي في الصغار ، وهذا ينصب في اتجاه تكريس ان مشاكل المجتمع الكبرى هي بسبب المجتمع ذاته ، ويظهر هذا المحور في الاعلام الموازي بشكل اكثر من ظهوره في الاعلام التابع لوزارة الثقافة .

المحور الثالث :في الاعلام الموازي ، الذي يصدر من خارج المملكة وينظر اليه البعض على انه تسويق لما يسمى : (الوجه الليبرالي للملكة) يظهر محور تفاهة المحتوى واللعب على الغرائز ، ومحاولة استقطاب جمهور ضخم لاهتمامات بعيدة كل البعد عن السياسة والشأن العام ، وتسويق الرؤية الغربية في الحياة ( ثقافة الغرب) والعمل على نشرها بكل السبل وتحسينها في الأذهان .
تداعيات خطيرة في غياب الاعلام الجاد
لست في صدد الزعم عن وجود المثاليات،ومحاولة الكذب على المجتمع الباحث عن الترفيه  ، لندعي انه – أي المجتمع- يريد الاعلام الجاد الرصين الممل !

لكن قول مفاده :أن  الاعلام بكافة اتجاهاته هو صناعة ، صناعة انماط فكرية بصياغة معينة لتتبلور في ذهن المستهدف ، واهم دعائم الاعلام هو ترجمته لحقائق واقعية ، التي يتم على اساسها صياغة وبناء الانماط الفكرية المراد اشاعتها ونشرها،وبالنظر لاعلامنا السعودي نجده للأسف غير قادر على مواجهة اعلام الخصوم ان صح لنا التعبير، فمن جهة نجد المآخذ  على الشأن السعودي الداخلي كثيرة جداً ، من انخفاض معدلات الدخل للمواطنين ، وانتشار البطالة ، والفساد ، والمحسوبية ..الخ ، ومن جهة اخرى كان يجدر بدولتنا على الاقل محاولة السير على مبدأ:(لايفل الحديد الا الحديد ) ، أي لابد من اعلام مضاد قوي يتصدى لاعلام المآخذ  والذي ينوي توحيد وشعبنة معارضة قوية للدولة ، ولكن هل هذا حدث فعلا!؟

في الوقت الذي اتجه الاعلام الرسمي بكافة قنواته الى التمجيد السمج الزائد عن الحد للحكام ، هو ايضا فقير جدا بما يقدمه من معلومات وخدمات جانبية تقدم للمستهلك الهدف ، والكتاب السعوديون في الصحف يهيمون في اودية بعيدة وتتلاعب بهم الشللية والمحسوبية ،والرموز الفاعلين الغير منافقين يتم ابعادهم رغم حاجة اعلامنا المحلي لهم ، وحاجة المؤسسة الحاكمة ، واذا اظهر اعلامنا نوعا من الجدية وعمق الطرح : تظهر اسطوانة الصراع الليبرالي الاسلامي ، وقيادة المرأة للسيارة ،مع اظهار محور جلد المجتمع مرة اخرى وهو الذي تحدثنا عنه آنفا!

وماحال الاعلام الموازي بأفضل من حال الاعلام الداخلي ، فمجموعة mbc  -على سبيل المثال- وقنواتها مثل العربية التي تزعم انها اخبارية لاتظهر بها الكفاءة ، ويغيب عنها النجوم الحقيقين ويظهر بدلا منهم نجوم الغناء ، والرقص ، والفن المبتذل ، والتلاعب بمشاعر الناس ، والتجارة باحلامهم ، مع تعذيب نفسياتهم وهم يشاهدون ذلك الفنان او تلك الراقصة وقد حصلت على ملايين الدولارات وربما الجنسية السعودية وجواز السفر الدوبلماسي!

واذ نشاهد التضييق على عدد من المفكرين الفاعلين امثال : سلمان العودة ، محمد الاحمري ، محسن العواجي.. الخ ، ومنعهم من الظهور الاعلامي  رغم موالاتهم للدولة ، وقدرتهم على توجيه الفكر والرأي العام بما يخدم الدولة ان أرادت ذلك ، وان وضعتهم في مكانهم المناسب ، لكن – دولتهم- بدلا من ذلك حاربتهم ومكنت فقط لجوقة كبيرة من المطبلين المباشرين عبر الاعلام الداخلي ، ومكنت لشريحة اخرى غير مؤهلة عبر الاعلام الموازي معظمهم من اللبنانيين المسيحيين !

مثل هذه السياسة لم تعد مجدية في ظل الانفجار الاعلامي الذي جعل امكانات الفرد تساوي امكانات دولة ، فبامكان أي شخص انتاج : مقال ، ملف فيديو ، صوت ، صورة ، الخ لتصدير افكاره ولحشد الرأي العام تجاه قضية بعينها ، بل ان الطاقات المثمرة التي تحارب في الداخل ستجد من يحتضنها بسهولة في الخارج ، وهو ماتم – على سبيل المثال- للدكتور محمد الاحمري الذي استقطبته دولة اخرى تعيش في طور الصعود السريع  والملفت، الذي ارتكز على عدة اركان تنموية ،اهمها سد المآخذ الداخلية على الدولة تجاه شعبها ، ثم كان الجانب الاعلامي الذي عزز مكانة الدولة على الصعيد العالمي ، ولقد كانت السعودية هي النجاح الذي فشل ، بينما كانت هذه الدولة الصغيرة هي الفشل الذي تحول الى نجاح مبهر بشهادة كل منصف!

ليست هناك تعليقات:

مواضيعي