الأربعاء، أبريل 18

ملك الرمال : ابن سعود والتاريخ ..من صنع الآخر؟!


تتحدث التقارير هذه الايام عن (ملك الرمال) الفلم المزمع عرضه ويتناول سيرة :( ابن سعود) او الملك عبد العزيز رحمه الله ، ويأتي ذلك بالطبع في اطار الدفاعات الرخيصة التي انتهجها النظام السوري في مواجهة الدول الداعمة للثورة الشعبية في سوريا .
ان تاريخ ابن سعود يتعرض للتشويه – ليس من معارضيه فحسب- بل حتى من الكتاب والمؤرخين الذين تناولوا سيرته بتمجيد زائف ، وقتلتهم الغير الزائدة في تلفيقات سمجة ، لاتليق بشخص عظيم مثل عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود .
لعل ابرز الشبهات التي اثيرت في تاريخ هذا الرجل تتلخص في : اولا- دخوله الرياض عام 1902/1319ه، والثاني علاقاته مع الانجليز والاتفاقية الشهيرة التي وقعها معهم عام 1915م.
ابن سعود هو سليل بيت ذو شرعية وحضور في وجدان قبائل نجد والحجاز ، فهو سليل الائمة الذين عرفهم القاصي والداني في جزيرة العرب وخارجها ، واذ يتسلل ابن سعود الى عاصمته الرياض سنة 1319ه وينجح في الحكم وتتم له البيعة ، فمرد ذلك الى شرعية نسبه الى آل سعود ، فليس من الغريب نجاحه ، والادعاء الزائف بانه تلقى دعما انجليزيا لهذا الامر انما لمحاولة تفسير سهولة الحكم وطرد ولاة ابن رشيد (حاكم نجد) بما لايزيد عن اربعين شخصأ!
هذا التفسير تتضح سذاجته عندما نقول ماقد يكون مفاجئة للكثيرين : ان ابن رشيد لم يكن حاكما لنجد وقتها !
نعم ...ففي تلك الفترة كان الحكم الشرعي بيد آل سعود ، وكان ابن رشيد قد استمال منهم قوما عُرفوا باسم ( العرائف) ليستمد شرعية نفوذه، وماعائلة آل رشيد بالنسبة لعائلة آل سعود الا كمثل السلاجقة بالنسبة للعباسيين : جزء يمتلك القوة ، والآخر الشرعية ، وعلى ذلك فابن سعود لم يستعد الشرعية ، وهي التي استمال بموجبها ابن رشيد جزء من ابناء سعود بن فيصل بن تركي ليكونوا السند الشرعي له في مواجهة ابن سعود ، عبد العزيز فقط استعاد نفوذ آل سعود في حكم هو لهم اصلا وشرعا!
لقد تفاجا الحاكم الشجاع الرشيدي وقتها ( عبد العزيز الرشيد) بشاب قوي من عائلة البيت الحاكم الشرعية ، بدلا من قطع الشطرنج السعودية التي كان يتلاعب بها كما يشاء !
لذا لم يكن من الصعوبة ان تدين بلدان نجد وقبائلها للحاكم السعودي القوي ، نظرا لان الكفة في علم السياسة تميل مع من تتوفر به الشرعية ، وحال ما اعلن ابن سعود عن نفسه ماهي الا سنوات حتى تم له الحكم في المنطقة ، لاسيما بعد ان اعلن للقبائل نيته في احياء كل ماعزز حكم اجداده السابقين الا وهو : الجهاد في سبيل الله واحياء دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الاصلاحية .
الانجليز وابن سعود
ثمة نقاط لابد من فرزها هنا ، لعل اول حقيقة ان ابن سعود حكم نجدا دون أي مساندة سوى كونه الامام الوهابي الجديد ان جاز لنا التعبير ، وتعطش البدو والقبائل الى الجهاد في سبيل الله خلف امام عرفوه وعرفو اجداده .
الانجليز ساهموا بتنصيب حكام كثيرين لاشك في ذلك ، لكن اتصالاتهم بابن سعود لم تتم بشكل فعال وحقيقي الا عندما فرض ابن سعود نفسه على الساحة بجهوده  الذاتية .
والاتصالات مع الانجليز كقوة عظمى لم يكن فيها مايعيب الحاكم ، فهذه الدولة العثمانية التي يتباكى لاجلها الكثير هذه الايام تتنازل لانجلترا عن مصر ، وتهمل ليبيا وتتركها للطليان سنة 1911م ، بل وتتفق تركيا مع بريطانيا على تقاسم النفوذ في الخليج العربي بحيث تترك قطر والبحرين والاحساء للانجليز ، فيما عرف باتفاقية الخط الازرق سنة 1913 ، والتي شعر الاتراك فيها بالغبن فاوعزوا لعبد العزيز الذي كان مواليا للدولة العثمانية وقتها باحتلال الاحساء ، في محاولة للهروب من الاتفاقية ..
مايثير الاعجاب لدى اي مؤرخ محايد هو بعد نظر عبد العزيز ابن سعود ووعيه بهذه الامور ، بعكس امراء بارزين في جزيرة العرب مثل الشريف وابن رشيد ، لذ نجد عبد العزيز –واذ فهم المغزى العثماني- استثمر الفرصة فقام بهجوم جريء على الأحساء سنة 1913م ، وبدا كأنه يحارب الاتراك ، الا انه وكدليل على انه احتل الاحساء بايعاز من الاتراك لم يقتل جندي تركي واحد ، ولم يصادر الاسلحة ، وسمح لهم بالانسحاب من القطيف وسط ذهول الانجليز !
وسرعان ماصدرت الفرمانات السلطانية التي تمجد بأمير نجد وحاكمها ابن سعود ، وكتبت عنه الصحف العثمانية التي كانت تصدر وقتها في بغداد ، ودمشق ، والقاهرة ، وحتى اسطنبول العاصمة !
كل هذه المساحة التي حكمها عبد العزيز بجهوده الذاتية وبمراقبته للدولتين الكبيرتين : انجلترا، وتركيا ، مع ادراك نادر لطبيعة مفاصل علاقتهما ببعضهما ، عرف اين ومتى يضرب تلك المفاصل !
الاتصال مع الانجليز
كان كابتن شكسبير احد موظفي بريطانيا في الكويت اول من جمع التقارير عن ابن سعود ، كعادة الانجليز لايتركون شاردة ولا واردة في جزيرة العرب الا جمعوا المعلومات حولها ، وقتها كتب شكبير تقريرا تنبأ فيه بمصير الجزيرة العرب الى عائلة آل سعود ، اذا بقي ابن سعود حيا، وهو التقرير الذي لم يؤخذ على محمل الجد وقتها ، اذ كان الانجليز يرون القوة والعظمة بيد الشريف حسين حاكم الحجاز وقتها.
السؤال الذي يطرح نفسه : مالذي اراده ابن سعود من الانجليز ؟
ببساطة كان ابن سعود يريد اعترافا دوليا بما اتت به ذراعه من مناطق شاسعه اسمها نجد ، وملحقاتها كالاحساء ومايتبع امارة حائل غرباً وشمالاً .
اما الانجليز الذين اهملوا  ابن سعود وان كانو يراقبون تحركاته بقلق خوفا على امارات الخليج العربي ، اضطروا الى الوصول الى تفاهم مع ابن سعود مع اندلاع الحرب العالمية الاولى وانضمام تركيا الى خانة اعداء بريطانيا .
هنا هذه المساحة الموضوعية المشتركة بين ابن سعود الامير البدوي ، والامبراطورية البريطانية التي لم تكن جزيرة العرب برمتها الا ملفا صغيرا من ملفاتها الممتدة من الهند شرقا وحتى اقاصي غرب المحيط الاطلسي !
مايثير اعجاب أي قاريء للتاريخ المعرفة التامة لابن سعود بما يطلبه الانجليز ، ومالايمكن ان ينفذوه ، لذل عندما عرض عليه ابتداء مشروع الثورة العربية نجده بدهاء نادر قال لهم : ان المؤهل لذلك هو ملك العرب الشريف حسين !
وكان هذا شركا وقع فيه الشريف ، من داهية مثل ابن سعود الذي اعتقد الانجليز وقتها ان نجدا هي طموحه النهائي ، ولسان حالهم يقول : فلنعترف له بما يحكمه فعلا بلا خسائر!
وهنا نسجل نقطة دلت على عبقرية هذا الرجل : فمن جهة لم يتحمل العبء التاريخي في مواجهة مباشرة مع الاتراك المسلمين ، ولك ان تقرأ مذكرات جمال باشا الذي اثنى على ابن سعود واعتبره مثالا للعربي الشهم ! ، ومن جهة انه اقنع الشريف بمؤهلات لم يكن الشريف يمتلكها اصلا ، فأخذته نشوة الزهو والاعجاب بنفسه فسلم كل شي للأنجليز الذي لم يتعهدوا له بأي شي عكس ابن سعود فلنرى كيف اتفق مع الانجليز وماهي اهم النقاط!
اهم نقطة كانت استقلال ابن سعود بنجد الطبيعية ، أي بما يعرف انه ضمن نجد ، لم يطالب او يلح بشكل صبياني انه له الحق في حكم سوريا والعراق واليمن كما فعل زميله الشريف حسين .. اعترفو ا ايها الانجليز بما هو موجود بيدي ، واطلق على الدولة اسم : سلطنة نجد وملحقاتها !
البعض يأخذ على الاتفاقية ان ابن سعود اقر على نفسه بعدم اقامة أي علاقة مع أي دولة الا بموافقة بريطانيا ، وهذا امر طبيعي ، الاتفاقية بين امير بدوي وبين امبراطورية لايوجد أي قوة اخرى غيرها الا الاتراك ، فكانوا هم المقصودين !
في فترة الاتفاقية التزم ابن سعود الحياد ، فلم يدخل في اعمال حربية كبيرة ، واستفاد من الدعم المالي الانجليزي (ثمن سكوته) في امور دلت على قدراته الاستراتيجية : اولا قام بتدعيم مبادي المذهب السلفي وخاصة بين قبائل الحجاز التي كان يضمر في نفسه احتلالها لاحقاً ، ثم اتصاله بعدد من علماء المسلمين في مصر وسورية والعراق لشرح مبادي دعوة محمد بن عبد الوهاب وتسويقها ، وثمار هذه الاعمال ظهرت لاحقا عندما استولى ابن سعود على حائل 1922م والحجاز عام 1926م ثم اعلانه عام 1927 ان الاتفاقية (دارين ) هي لاغية واضطر الانجليز لتوقيع اتفاقية جديدة (اتفاقية بحرة) مع ابن سعود كدولة قائمة مستقلة وليست امارة بدوية !
ولم تنفع الدعايات الضخمة التي كرسها الانجليز لاخراج ابن سعود من الحجاز ، فهم غير قادرين لتوجيه جيش لاحتلال الحجاز ، واعتقدوا ان المسلمين سبواجهون ابن سعود بانفسهم لان المذهب الوهابي غير مقبول !! الا انهم تناسوا ان الفترة الممتدة بين 1915م الى 1922م وابن سعود يتصل بالعلماء في العالم الاسلامي ، بحيث انه – وبمجرد دخوله الحجاز- تنادى العلماء المؤثرون بأهليته وتطبيقه للشرع الاسلامي في بلاد الحرمين ، وقام بعقد مؤتمر اسلامي لمسألة دولية الحجاز واهليته لحكمه ، فتقاطرت الوفود الاسلامية وشاهدت صدق وتقى وورع الاخوان لتؤكد انها مطمئنة على الحرمين في عهدة ابن سعود ورجاله المؤمنين الصادقين !
اذن  وجد الانجليز انفسهم امام قوة (وهابية متمددة) في جزيرة العرب ، استولوا على الحجاز ، واميرهم البدوي قادر على جمع مئات الالوف من اشجع شجعان جزيرة العرب ، كرسوا جل اهتمامهم لوضع حد للتوسع السعودي شمالاً ، فحاولوا اغراء الامير نوري ابن شعلان بحكم منطقة الجوف ، الا انهم تناسوا العلاقة القوية التي تجمع ابن سعود بأبن شعلان ، التي تمخضت عن تسليم الامير نواف بن النوري لمنطقة الجوف وسط اعتراضات انجليزية  ، وفي عام 1922م واذ وجد الانجليز ان قوة ابن سعود تتصاعد حرصو على جلب اثنين من ابناء الشريف حسين ، وشكلوا دولتين : الاردن المعاصرة ووضعوا عليها عبد الله ، والعراق المعاصر ووضعوا عليه فيصل بن الحسين ، وكلفوا الطرفين بصد التوسع السعودي شمالاً .
الا ان ابن سعود كان اقوى بكثير من يتصدى لهم ملكين صناعيين ، فأضطر الانجليز انفسهم لاتخاذ زمام المواجهة مع ابن سعود على اعتبار انهم حكام العراق والاردن بموجب ميثاق هيئة الامم المتحدة الصادر سنة 1919 ، والدليل ان مايعرف ببروتوكلات العقير كانت بين طرفين : الاول ابن سعود نفسه او من ينيبه ، والآخر هو الانجليز الذي كانو ينيبون عن حكام الاردن والعراق وحتى حكام دول الخليج العربي ، فلم يكن هناك اميرا مستقلا الا : ابن سعود والبقية خاضعين لبروتوكول عصبة الامم المتحدة !
وكان ابن سعود يعلم انه لاقبل له بالمواجهة مع الانجليز ، وكان يردد فيما نقله امين الريحاني ان بريطانيا لو تتركه للعرب سيستطيع التفاهم معهم !
وقد صدق ابن سعود ، فلولا الوجود البريطاني لكان العراق والشام ضمن مملكة ابن سعود ، ولكنا نرى هئية الامر بالمعروف والنهي عن المنكر في شوارع ،بغداد والموصل ، وحمص ، ودمشق ! حيث ان من الحماقة ان نؤمن ان ابن سعود زاهداً في ضم هذه المناطق لإمبراطوريته الإصلاحية السلفية !
وفي نهاية المقال الذي حرصت على ايجازه نقول : ان اتصال الزعماء العرب مع الانجليز في تلك الفترة الهامة من تاريخنا العربي لم يكن معيبا عند الرأي العام ، لانه وببساطة لم تكن تنشأ بعد قضية اليهود بشكل علني وظاهر كما ظهرت في سنوات لاحقة ، وهي التي ادت الى التوترات في العلاقة بين الشرق والغرب ، والاتصال او الاتفاق مع الانجليز امر جرى لكل الزعماء العرب في تلك الفترة ، مثل : آل رشيد ، والأشراف ، وآل شعلان ، والادارسة ، والفرق بين ابن سعود وهولاء يتلخص في معرفة ابن سعود وبعد نظره ،وكيفية الاستفادة الى اقصى حد من علاقاته الخارجية وتوظيفها لاهدافه  التي حققها وفشل غيره  ، حتى لو كانت تلك الاهداف شيطانية بنظر بعض الحاقدين !

ليست هناك تعليقات:

مواضيعي